محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

54

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

اللّه تعالى جعل إخباره بإنزال الملائكة لنصرهم بشارة لهم ، وأن ( لكم ) مضمرة في سورة الأنفال كما هي مظهرة في هذه السورة ، فلأن الأولى جاءت على الأصل ، والثانية قد تقدمتها لَكُمْ فأغنت عن إعادتها بلفظها ومعناها ، وهي في قوله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ « 1 » فلما قال : فَاسْتَجابَ لَكُمْ علم أنه جعل بشرى لهم فأغنت لَكُمْ الأولى بلفظها ومعناها عن الثانية ، وفي الآية الأولى لم يتقدم ما يقوم هذا المقام ، فأتى بقوله : لَكُمْ على الأصل . وأما تأخير بِهِ بعد قوله : قُلُوبُكُمْ فلأنه لما أخر الجار والمجرور في الكلام الأول ، وهو قوله : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وعطف الكلام الثاني عليه ، وقد وقع فيه جار ومجرور ، وجب تأخيرها في اختيار الكلام ليكون الثاني كالأول في تقديم ما الكلام أحوج إليه وتأخير ما قد يستغنى عنه ، وأما تقديم بِهِ في الآية الثانية ، فلأن الأصل في كل خبر يصدر بفعل أن يكون الفاعل بعده ، ثم المفعول والجار والمجرور ، وقد يقدم المفعول على الفاعل إذا كان اللبس واقعا فيه وأريد إزالته عنه كما تقول : ضرب عمرا زيد لا محمدا ؛ لأن المخاطب عنده أن المضروب محمد ، ولا خلاف بين المتخاطبين في أن الضارب زيد ، فهو يبدأ بما هو أهم ، وعنايته ببيانه أتم ، وكذلك الجار والمجرور بمنزلة المفعول به في التقديم والتأخير وشبههما ، وفي هذا الموضع إذ لم يعرض في اللفظ من التوفقة ما يوجب إجراء الكلام على الأصل ، كما كان في سورة آل عمران ، فإن المعتمد بتحقيقه عند المخاطبين إنما هو الإمداد بالملائكة ، وهو الذي أخبر اللّه تعالى عنه أنه لم يجعله إِلَّا بُشْرى فوجب أن يقدم في الكلام الثاني ، وهو المضمر بعد الباء في قوله تعالى : بِهِ على الفاعل فقال تعالى : وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وفي هذه الآية مسألة أخرى وهي أن يقال : كيف اختلف الإخبار عن اللّه تعالى بالعز والحكمة في الآيتين ؟ فجاء في سورة آل عمران مجيء الصفة ، فقال تعالى : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وجاء في سورة الأنفال بلفظ خبر ثان مستأنف فقال : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . الجواب أن يقال : القصد إعلام المخاطبين أن النصر ليس من قبل الملائكة ، ولا من جهة العدد والعدة وفضل القوة ، ولكنه من عند القادر الذي لا يغلب ولا يمنع عما يريد فعله ، والحكيم الذي يضع النصر موضعه ، والآية التي في سورة الأنفال إنما هي في

--> ( 1 ) سورة : الأنفال ، الآية : 9 .